
في وقتٍ كان فيه الأفق يغصُّ بسحب الدخان، لم تكن الرائحة العالقة في الأفق مجرد دخان قذائف، بل كانت رائحة الخيانة التي نضجت على نيران ‘الحماية الزائفة’.
ففي اللحظة التي سقطت فيها الأقنعة الذهبية لتكشف عن أنياب الذئب مع حليفه الخنزير ، تجلت الحقيقة المُرّة التي طالما صرخ بها ” النسر المصري ” من فوق قمته العالية ، لقد كان صدى الذهب في جيوب ‘الحماة المزعومين’ أعلى من صوت الحكمة، حتى استفاق القطيع على دويّ الانفجارات ليُدرك بعد فوات الأوان أن من يشتري أمنه من عدوه إنما يشتري السكين التي ستُذبح بها أحلامه، وأن الغريب لا يحرث الأرض إلا ليدفن أصحابها فيها .
“لسنوات طويلة، وقف “النسرالمصرى ” على قمة الجبل، يرقب تحركات الرياح. نادى مرارًا وتكرارًا بضرورة بناء “سياج موحد” وجيش قوي يجمع الشتات، مؤكدًا أن أمن “القطيع” لا يُحفظ إلا بأيدي أبنائه. كانت دعوته لتكوين قوة موحدة واضحة وصريحة: “احموا أنفسكم بأنفسكم، فالغريب لا يحرث أرضًا غير أرضه”
.لكن، ويا للأسف، انقسم القطيع على نفسه؛ فبين غنمٍ آثرت السلامة الزائفة، وإبلٍ ظنت أن الصمت حكمة، وخيلٍ وبقرٍ استسلمت لوعودٍ براقة. صموا آذانهم عن صرخات النسر، وارتموا في أحضان “القوى الكبرى” ( الذئب والخنزير)، وشرعوا في تقديم أموالهم وثرواتهم قرابين على مذبح “الحماية المزعومة”، ظنًا منهم أن الذئب قد يحرس النعاج.انفجر الموقف فجأة اندلعت الحرب الضروس بين “ثعلب الصحراء ” من جهة،” والذئب” وحليفها “الخنزير” من جهة أخرى.
والمفارقة المريرة أن المعارك لم تدر فوق أراضي هؤلاء “الشركاء “، بل اشتعلت نيرانها داخل حظائر القطيع .تحولت المدن إلى ركام، وأدرك القطيع متأخرًا أن من دفعوا له أموالهم ليحميهم، استخدموا أرضهم مجرد “درع بشرية” وساحة لتصفية حساباتهم الخاصة.
سقطت الأقنعة، ووجد القطيع نفسه وحيدًا تحت رحمة الصواريخ، بلا حامٍ ولا نصير من “أصدقاء المصلحة “.بينما كان الخوف ينهش القلوب، اتجهت الأبصار نحو القمة حيث يسكن النسرالمصرى . رغم أنهم خذلوه، ورغم أنهم فضلوا عليه الغريب، لم يتردد النسر لحظة واحدة. لم يشمت في ضياعهم، ولم يقل “ألم أقل لكم؟”، بل فرد جناحيه العظيمين وحلق فوق النيران.
تدخل النسر بكل ثقله، مستخدمًا هيبته وقوته لفرض التهدئة ووقف نزيف الدماء. تحرك في كل الاتجاهات لإعادة الأمن المفقود، ولملمة شتات القطيع الذي كان يرتعد فزعًا. أثبت ” النسر المصرى” أن “رابطة الدم والمصير” أقوى من كل العقود المالية التي أُبرمت في غرف التآمر.
“ والخنزير” الذي لا يشبع من أكل الروث والقمامةورغم هدوء العاصفة قليلًا بفضل تدخل النسر، إلا أن “الخنزير” لا يزال يتربص خلف الستار. هذا الكيان المنبوذ ، الذي لا يعيش إلا على الفوضى والدمار، يحاول جاهدًا إعادة إشعال الفتنة وإيقاع العالم في حروب كونية لا تنتهي.
“إنها معركة الوعي قبل أن تكون معركة السلاح”، فالقطيع اليوم أمام درس تاريخي: هل يعودون لحضن “النسر” وبناء قوتهم الذاتية، أم يظلون فريسة لوعود “الذئب والخنزير” ومخططاته التي لا تهدف إلا لخراب العالم ؟


