محافظات

حين تتقدم الإنسانية.. بني سويف تنعم بمحافظ يرى في المنصب مسؤولية وفي المواطن أمانة

هناك مواقف لا تحتاج إلى خطابات طويلة كي تكشف حقيقة المسؤول، ولا إلى حملات دعائية كي تمنح الناس شعورًا بالطمأنينة؛ فبعض التصرفات البسيطة في ظاهرها، العميقة في معناها، تختصر فلسفة كاملة في الحكم والإدارة، وتؤكد أن قيمة المسؤول لا تُقاس فقط بما يفتتحه من مشروعات أو يتخذه من قرارات، وإنما بما يحمله قلبه من رحمة، وما يشعر به من مسؤولية تجاه الناس، خاصة حين يتعلق الأمر بطفل أصابه الأذى.

زيارة اللواء عبد الله عبد العزيز، محافظ بني سويف، للتلميذ الذي سقط على رأسه طوب من عقار جارٍ إنشاؤه بجوار مدرسته، ليست مجرد زيارة عابرة للاطمئنان على حالة طفل، بل هي موقف إنساني يستحق التوقف أمامه، لما يحمله من دلالات تتجاوز حدود الواجب الرسمي إلى رحابة الواجب الأخلاقي والإنساني.

فحين يذهب المحافظ بنفسه لزيارة طفل تعرض للإصابة، ويقترب منه بأبوية صادقة، فإن الرسالة هنا لا تُوجَّه إلى أسرة الطفل وحدها، بل إلى مجتمع بأكمله؛ رسالة تقول إن المسؤول الحقيقي لا تفصله عن الناس أبواب المكاتب أو أعباء المنصب، وإن الإنسان يجب أن يظل حاضرًا في مقدمة الأولويات مهما تعددت المسؤوليات وتزاحمت الملفات.

والأجمل في مثل هذه المواقف أن الأبوة لا تحتاج إلى رابطة دم حتى تظهر؛ فقد يكون الإنسان أبًا بحكم مشاعره، وبحكم إحساسه بالمسؤولية، وبقدرته على احتواء من حوله وقت الألم. والطفل الذي يجد مسؤولًا كبيرًا يطمئن عليه، ويهتم بوجعه، ويمنح أسرته شعورًا بأنها ليست وحدها في مواجهة المحنة، يتلقى رسالة إنسانية ستظل أعمق أثرًا من أي كلمات تقال في المناسبات الرسمية.

إن اختيار القيادات المناسبة ليس مسألة إدارية عابرة، بل نعمة تنعكس على حياة المواطنين، وعلى ثقتهم في مؤسسات الدولة، وعلى شعورهم بأن هناك من يسمعهم ويتألم لألمهم ويتحرك من أجلهم. فالمسؤول الذي يمتلك الحس الإنساني يدرك أن وراء كل واقعة أسرة قلقة، وطفلًا يحتاج إلى الأمان، وأبًا وأمًا ينتظران كلمة تطمئنهما قبل أي شيء آخر.

ومن هنا، فإن الحديث عن اللواء عبد الله عبد العزيز، محافظ بني سويف، يفتح الباب أمام معنى بالغ الأهمية: أن المحافظة لا تحتاج إلى مسؤول يدير الملفات فقط، وإنما إلى قيادة تجمع بين الحسم والرحمة، وبين متابعة التفاصيل اليومية والشعور الحقيقي بنبض الشارع. فالمواطن لا ينسى من وقف بجانبه في لحظة ضعف، ولا الطفل ينسى من عامله بحنان حين كان في أمسّ الحاجة إليه.

لكن الإنسانية الحقيقية لا تكتمل بالاطمئنان على الطفل وحده، مهما كانت أهمية هذه الخطوة؛ بل تمتد أيضًا إلى ضمان سلامة بقية التلاميذ، ومراجعة إجراءات الأمان في محيط المدارس، ومحاسبة كل من يثبت تقصيره. وقد أُعلن بالفعل عن وقف أعمال البناء بالعقار المجاور لمدرسة محمود حمد الرسمية للغات، وإحالة الواقعة إلى الشؤون القانونية لفحص ملابساتها وتحديد المسؤوليات، وفقًا لما نشرته وسائل إعلام محلية.

إن أجمل ما يمكن أن يقدمه المسؤول للمواطن هو أن يشعره بأن كرامته وسلامته ليستا أمرين ثانويين، وأن حياة أبنائه ليست موضعًا للتهاون، وأن الدولة حاضرة بالفعل، لا بالشعارات وحدها، وإنما بالموقف والقرار والمتابعة.

تحية لكل مسؤول لم تنسه أعباء المنصب أن الإنسان أولًا، ولكل قيادة تعرف أن الهيبة الحقيقية لا تصنعها المسافات بين المسؤول والمواطن، بل يصنعها الاحترام والثقة والرحمة.

وتبقى بني سويف، كما نتمنى لها دائمًا، في حاجة إلى أن تكون الإنسانية نهجًا ثابتًا في كل موقع من مواقع المسؤولية؛ لأن المحافظات لا تُبنى بالمشروعات وحدها، بل تُبنى أيضًا بالقلوب التي تشعر بالناس، والضمائر التي لا تقبل أن يتحول ألم مواطن إلى مجرد خبر عابر.

فحين يكون المسؤول إنسانًا قبل أن يكون مسؤولًا، يشعر المواطن أن له سندًا، وأن وراء المنصب قلبًا، وأن اختيار القيادة المناسبة ليس مجرد قرار إداري، بل نعمة حقيقية يجني ثمارها الناس.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى