كلمتين وبس

رامى البكرى يكتب “كيف سرقت الشاشات دفء العيد دون أن نشعر”

بكل عيد تمتلئ الشاشات بالكلمات وتتكرر العبارات نفسها كل عام وأنتم بخير وعساكم من عواده وعيد سعيد وتمضي مئات الرسائل أمام أعيننا حتى أصبح السؤال الذي لا نقوله بصوت مرتفع هل ما زلنا نهنئ لأن القلوب اشتاقت أم لأن العيد جاء فكتبنا ما يكتبه الجميع ثم مضينا قديما لم تكن التهنئة كلمات عابرة ولم يكن العيد منشورا ينتظر الإعجاب بل كانت التهنئة رحلة شعور تبدأ من القلب قبل اللسان ومن الخطوات قبل الحروف كانت زيارة ومصافحة ودعاء ووجها يبتسم لوجه وفرحة لا تحتاج إلى صورة لتثبت وجودها أما اليوم فقد أصبح بإمكان الإنسان أن يهنئ مئات الأشخاص في دقائق قليلة لكنه قد لا يتوقف لحظة ليسأل شخصا واحدا كيف حالك حقا وكيف حال قلبك ولا المشكلة في التكنولوجيا ولا في وسائل التواصل فالكلمة المكتوبة قد تكون أصدق من لقاء طويل وقد تصل رسالة قصيرة إلى القلب أكثر من حضور بلا مشاعر لكن المشكلة تبدأ حين تتحول التهنئة من شعور إلى واجب ومن دعاء إلى عادة ومن تذكر الناس إلى مجرد أداء اجتماعي متكرر وهنا يظهر السؤال الأعمق هل تغيرت التهاني فقط أم تغيرت القلوب أيضا كم من شخص كتب للناس أجمل الدعوات لكنه لم يجلس مع نفسه ليسأل كيف حالي مع الله وكم؟ من شخص نشر كلمات المحبة ثم عاد إلى بيته يحمل خصومة أو جفاء أو انشغالا عن أقرب الناس إليه وكم ؟من شخص عاش العيد كله بين الصور والمنشورات ولم يشعر بالسكينة التي من أجلها شرعت الأعيادربما أخطر ما يفعله الروتين أنه لا يسلب منا الأعمال بل يسلب منها الروحاني أحيانا بلا حضور وندعو بلا يقين ونهنئ بلا شوق ونعيش المناسبات بلا أثر حتى يصبح كل شيء موجودا أمام الناس لكنه غائب داخل النفوس والعيد لم يكن يوما موسما للكلمات فقط بل فرصة لنسأل أنفسنا سؤالا بسيطا لكنه صعب كيف حالي مع الله وهل خرجت من الأيام الماضية بقلب أكثر رحمة ونفس أكثر رضا وروح أقرب إلى الطمأنينةثم سؤال آخر لا يقل أهمية كيف حالي مع الناس هل بيني وبين أحد كسر لم أصلحه وهل هناك شخص ينتظر مني كلمة أو وصلا أو اعتذارا أو دعاء القلوب لا تختبئ خلف الشاشات فقط بل قد تختبئ خلف المجاملات وخلف الكلمات الجميلة وخلف العبارات التي نحفظها ونكررها دون أن تمر على أرواحنا العيد الحقيقي ليس أن تصل رسالتك إلى الجميع بل أن يصل قلبك إلى الله ثم يصل خيرك إلى الناس وربما لا نحتاج هذا العيد إلى تهنئات أكثرربما نحتاج قلوبا أكثر فإذا قلت كل عام وأنتم بخير فقلها بقلب يريد الخير حقا وإذا قلت تقبل الله منا ومنكم فاجعلها دعاء لا عبارة فإن حضرت القلوب صارت الكلمات حياة وإن غابت القلوب تحولت أجمل التهاني إلى إشعار يمر على الشاشة ثم يختفي

السيد مفرح الجمل

صحفى ومدير مكتب الجريدة بالغربية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى