كلمتين وبسمقال

” السيد الجمل يكتب “خلف أسوار الوادي ..حين يفسد الملح “قصة واقع

في “وادي الشرق” الكبير، كانت الشمس تشرق على حقول الزيتون ونخيل البصرة ومآذن القدس ، ولآلئ بحيرة طبريا ، ارتفعت قلعة ضخمة خلف البحار، يسكنها طاغية يدعى “ميركا “.

كان “ميركا ” يرتدي رداءً من الحرير الأبيض ليخفي تحته درعاً من حديد ، ويحمل في يده اليمنى غصن زيتون يابس، وفي اليسرى سوطاً يطول كل من لا ينحني لعرشه. لم يكن “ميركا ” يكتفي بموارده ولا يقتنع بما فى يده ، بل كان يرى أن هواء العالم ومياهه وخيراته هي ملكية خاصة له، ومن يعترض، يُدمغ بختم “الإرهاب” ويُسحق تحت أقدام خيوله.

وفي قلب قرى الوادي، زرع “ميركا ” ظلا مسموما وكياناً صغيراً لكنه شديد القسوة، يسمى “ايريل “. كان “إيريل ” هو الذراع اليمنى للطاغية، والمخلب الذي ينهش به أجساد القرويين. أعطاه “ميركا ” أحدث السيوف، وبنى له جدراناً لا تُخترق، ومنحه حصانة مطلقة ، فكل ما يفعله ” إيريل ” هو دفاع عن النفس، حتى لو أحرق الحقول وقتل الأطفال “.كان “إيريل ” يتوسع كل يوم، يقتلع شجرة زيتون هنا، ويهدم بيتاً هناك ، ويقتل شيخاً هنا ويحرق طفلاً هناك ، وعينه دائماً على المسجد العتيق في وسط الوادي، مدعوماً بضحكة “ميركا ” المجلجلة التي كانت تخرس أي صوت للاعتراض في “مجلس كبار الوادي”.

و على مقربة من مسرح الظلم، كانت هناك قصور فارهة يسكنها “حراس الآبار”، وهم رجال من بني جلدة القرويين، منحتهم الأرض كنوزاً من “الزيت الأسود” جعلتهم الأغنى في الوادي.بدلاً من أن يستخدم هؤلاء الحراس زيتهم لإشعال قناديل المقاومة واستعادة أرضهم أو إطعام الجوعى، كانوا يرسلون القوافل محملة بالذهب والزيت إلى قلعة “ميركا “.

وفي الليالي المظلمة، كان بعض هؤلاء الحراس يجتمعون بـ “إيريل ” سراً، يتبادلون معه الابتسامات ، ويخبرونه عن نقاط ضعف إخوانهم في “أرض الرباط”.قال أحدهم لـ “ميركا ” وهو ينحني “يا سيدى ، خذ ما تشاء من زيتنا، واحمِ عروشنا من غضب شعوبنا، ولا تبالِ بما يفعله ” إيريل ” ، فنحن قد نسينا أننا كنا يوماً أخوة”.

وفي ليلة اشتد فيها العصف، قرر “إيريل ” أن يبيد حياً كاملاً في “أرض الزيتون”. كانت الصرخات تمزق الصمت، والدخان يغطي النجوم. وقف العالم يشاهد، لكن “ميركا ” رفع يده عالياً ليمنع أي أحد من المساعدة، قائلاً: “إيريل ” يطهر الأرض من المشاغبين”.

وفي تلك الأثناء، كان “حراس الآبار” يقيمون الحفلات الصاخبة في قصورهم، يرفعون نخب “الاتفاقيات الجديدة”، ويأمرون شعراءهم بأن يغنوا للسلام الوهمي، بينما كانت دماء أطفال “الزيتون” تلوث مياه النهر الذي يشربون منه.وبينما كان الصمت يغلف القصور، والذهب يتدفق من “حراس الآبار” نحو قلعة “ميركا ” لضمان بقاء عروشهم.

كانت هناك أم مكلومه تسكن في ملتقى طرق الوادي، تسمى “كنانة النيل”. كانت “الكنانة” تعاني من جراح قديمة، وتكالب عليها الأعداء ليضعفوها، وحاول “ميركا وإيريل ” مراراً أن يغويها بالمال أو يرهبها بالحصار لتتخلى عن “أرض الزيتون”.

لكنها ظلت كالصخرة التي تتكسر عليها أمواج الغدر.عندما أغلق “إيريل ” كل المعابر ، وأراد أن يخنق “أرض الزيتون” حتى الموت، كانت “الكنانة” هي الرئة الوحيدة التي يتنفسون منها. فتحت أبوابها ليمر الدواء والكساء، واقتسمت رغيف خبزها مع المكلومين، رغم أن “حراس الآبار” كانوا يراقبون المشهد من بعيد، يهمسون لـ “ميركا ” بأن يضغط أكثر على “الكنانة” لتستسلم.

وقف فارس “الكنانة” على الحدود، ينظر إلى “إيريل ” بعين القوة، ويقول لـ “ميركا ” “قد نكون جرحى، لكننا لا نبيع إخوتنا، وهذه الأرض لن تكون لقمة سائغة لمخططاتكم”.

شعر “حراس الآبار” بالخزي كلما رأوا قوافل “الكنانة” تعبر نحو الجرحى، لأن كرمها كان يفضح بخلهم، وشجاعتها كانت تكشف جبنهم. حاولوا تشويه صورتها في مجالسهم، وادعوا أنها تُتاجر بالقضية، لكن دماء أبناء “الكنانة” التي روت تراب “أرض الزيتون” عبر التاريخ كانت أصدق من كل خطاباتهم الملونة بالزيت والذهب.

لم يكن ذبح الضحية هو المأساة الكبرى، بل كانت المأساة في السكين التي صنعها الطاغية، واليد التي أمسك بها إيريل ، والصمت الذي اشتراه حراس الآبار بذهبهم وخيانتهم. لكن الأرض التي شربت الدماء، لا تنبت إلا النصر ، والريح التي هبت من القصور، ستحمل يوماً غبار الزوال.”وهكذا، ظل “ميركا ” يخطط، و”إيريل” ينهش، و”الخونة” يتآمرون خلف الستار، لكن “أرض الزيتون” ظلت واقفة، لأنها علمت أن لها ظهراً لا ينحني، هو قلب هذا الوادي ودرعه الحصين.

وختاماً “إذا فسد الملح، فبماذا يُملح ، وإذا خان الأخ أخاه، فبمن يستجير،وإذا انكسر السيف، فبأي يدٍ نذود ، وإذا انطفأت المشكاة، فبأي ضياءٍ نهتدي ، لولا ثبات ‘الكنانة’ لباتت أرض الزيتون حكايةً منسية في ركام التاريخ، ولأصبح غصن السلام حطباً في مواقد الغدر، لكنّ العهد بين النيل وجبال الجليل ميثاقٌ تعمّد باليقين، فلا النهرالكنانة يضلُّ طريقه،ولاجذرالزيتون يخون ترابه .”

السيد مفرح الجمل

صحفى ومدير مكتب الجريدة بالغربية

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى