
السيد الجمل يكتب صرخات خلف الوميض الأحمر” العداد الكودي ثقب أسود فى جيوب “الغلابة”
صرخات خلف الوميض الأحمر” العداد الكودي ثقب أسود فى جيوب “الغلابة” لم يكن “عم إبراهيم” يخشى شيئاً في منزله قدر خشيتة من تلك “الصفرة” المتقطعة التي تنبعث من الصالة. كانت زوجته “أم صابر” تجلس بجواره تطوي ما تبقى من جنيهات المعاش، بينما عيناها معلقتان بذلك الصندوق البلاستيكي المعلق على الحائط “العداد الكودي”.”لقد عاد للوميض الأحمر يا إبراهيم،” قالتها بنبرة تشبه النحيب . نظر إبراهيم إلى العداد كأنه ينظر إلى خصم عنيد وقلبه يتقطع من الألم يتذكر أيام “التحصيل” القديمة حين كان الموظف يأتي بابتسامة وبضع ورقات، أما الآن، فالعدو صامت، يلتهم “الكارت” في صمت وينتظر المزيد ، بالأمس فقط، شحن الكارت بمئة جنيه، واليوم يخبره العداد أنه استلف من الرصيد دون سابق إنذار . خرج إبراهيم إلى الشارع، ليجد أصوات الجيران تتشابه: “العداد سحب الكارت”، “أطفئوا الأنوار”. عاد للمنزل، أطفأ نور الصالة، وجلس مع زوجته في عتمة خفيفة يراقبون الوميض، مدركين أن الكهرباء لم تعد مجرد خدمة ، بل أصبحت عدواً يقتسم معهم رغيف الخبزغصباً قبل أن يصل إلى أفواههم.
هذه القصة ليست مجرد خيال أدبي، بل هي لسان حال ملايين الأسر التي وجدت نفسها فجأة أمام “ثقب أسود” يبتلع مدخراتهم المحدودة. ففي الوقت الذي تسعى فيه الدولة لرقمنة الخدمات وضبط الاستهلاك عبر تحويل نظام “الممارسة” (الغرامة الثابتة) إلى عدادات كودية، اصطدم المواطن بواقع مرير وهى رحلة البحث عن النور من الممارسة إلى الكودية .
لقد كان التحول من الممارسة إلى العداد الكودى يهدف إلى العدالة، لكن “فخ الشرائح” حول الأمر إلى عبء لا يطاق. فمع تداخل الاستهلاك وارتفاع الأسعار، يجد المواطن البسيط نفسه يقفز بين شرائح الاستهلاك بسرعة الصاروخ، ليتحول الكارت الذي كان يكفي لشهر كامل إلى مجرد “مقبلات” يلتهمها العداد في أيام معدودة.
وهذه شهادات من قلب المعاناة فهذا محمد . س (عامل يومية) يقول “كنت أدفع مبلغاً ثابتاً وأعرف ميزانيتي، اليوم أشعر أن العداد يراقب أنفاسنا. بمجرد تشغيل الغسالة، أرى الرصيد يتناقص كأنه عد تنازلي لانفجار ميزانية البيت”.أما الحاجة زينب (أرملة) تقول “أصبحت أقتطع من ميزانية الدواء لأشحن الكارت،أحياناً نفضل الجلوس في الظلام لنضمن بقاء الثلاجة تعمل”.فالعبء المزدوج بين مطرقة المعيشة وسندان الكهرباء هى الأزمة الحقيقية التى تكمن في التوقيت حيث تأتي هذه الضغوط الكهربائية بالتزامن مع موجة تضخم عالمية رفعت أسعار السلع الأساسية.
أصبح المواطن محاصراً في مثلث خانق بين غلاء الأسعار الذي استنزف القوة الشرائية للرواتب والمعاشات ، و نظام الشرائح الذي يعاقب المستهلك كلما حاول ممارسة حياته الطبيعية ، والخصومات المفاجئة التي تظهر عند الشحن (فرق الشريحة، رسوم النظافة، وخدمة عملاء، وغيرها).
كلمة أخيرة إن التحول الرقمي ضرورة، ولكن يجب ألا يكون على حساب “سترة” البيوت. إن العداد الكودي يجب أن يكون أداة للتنظيم لا وسيلة للجباية التي تفوق قدرة البشر. الصرخة اليوم ليست ضد التكنولوجيا، بل ضد نظام شرائح لا يراعي الفوارق الطبقية، ويجعل من “النور” كابوس لمن لا يملك ثمن الكارت أنه تحول إلى هوس يومي يطارد جيوب الغلابة .



