
السيد الجمل يكتب «سيمفونية العبث العالمية بخطى ثابتة نحو الهاوية»
منذ أن قرر الإنسان الأول أن يترك الكهف بحثاً عن “الرفاهية”، والمنطق البشري يسير بخطى ثابتة نحو الهاوية، ولكن ببدلة رسمية وربطة عنق أنيقة، إن ما نشهده اليوم في مسرح الأحداث العالمية ليس مجرد “أزمات”، بل هو عرض كوميدي تراجيدي، يؤديه ممثلون نسوا النص الأصلي، فقرروا الارتجال على حساب الجمهور.إن أول ما يلفت النظر في مشهدنا العالمى المعاصر هو تلك اللغة الدبلوماسية الرفيعة التي تُصاغ بها الكوارث وأدوات الدمار .
لقد طور قادة العالم مهارة استثنائية في “الإدانة” لدرجة أنني أخشى يوماً أن يشتعل حريق في مطبخ أحدهم، فبدلاً من إطفائه، يكتفي بإصدار بيان يعرب فيه عن “قلقه البالغ” من تصاعد الأدخنة، مع التأكيد على ضرورة “ضبط النفس” بين النار وأواني الطهي . إن العالم اليوم لا يحتاج إلى وسطاء سلام بقدر ما يحتاج إلى “مترجمين” يفسرون لنا كيف يمكن للحروب أن تُشنّ باسم “الأمن”، وكيف يمكن للدمار أن يُسمى “إعادة استقرار” .
ومن أعجب ما وصل إليه الذهن البشري في حروبه المعاصرة، تلك المعادلة الكيميائية المعقدة التي تجمع بين “القذيفة” و”الرغيف”. لقد أصبح من المألوف جداً أن ترى طائرةً تُلقي بالمساعدات الإنسانية من جهة، بينما تُمهد الطريق لأختها لكي تُلقي القنابل من جهة أخرى، في نوعٍ من التوازن الغذائي العجيب، لضمان أن يلقى الضحايا حتفهم وهم في حالة صحية جيدة وبمعدة ممتلئة .
إننا نعيش اليوم “أنسنة الدمار” في أبهى صورها ، حيث يُقتل الإنسان وفقاً لمعايير “الجودة الدولية”، مع الحرص الشديد على تغليف المأساة بورق هدايا ملون يحمل شعارات المنظمات الأممية التي تكتفي بـ “إحصاء” الأرواح بدلاً من إنقاذها.
اننا اليوم نعيش فى سوق النخاسة الأخلاقية ويقام المزاد العالمي الكبير، الذى تُعرض فيه “المبادئ” للبيع بأسعارٍ تنافسية ، وتخضع “حقوق الإنسان” لقوانين العرض والطلب . إن “العدالة” في عالمنا اليوم تشبه إلى حدٍ كبير “البوفيه المفتوح” تختار منه القوى الكبرى ما يشتهيه مزاجها السياسي، وتترك الفتات لمن لا يملكون ثمن تذكرة الدخول. فالحرب هنا تُسمى “دفاعاً شرعياً”، وهناك تُسمى “عدواناً غاشماً”، والفرق بينهما ليس في الفعل نفسه، بل في “جنسية” اليد التي تضغط على الزناد.
إنه عالمٌ يرتدي نظارات طبية بـ “عدسات مزدوجة”: ترى القشة في عين الخصم كأنها جذع شجرة، ولا ترى الجذع في عين الحليف ولو كان يحجب ضوء الشمس.وطورت تكنولوجيا الموت فأصبح “الموت النظيف”مع التطور التقني، فقد منحنا ترف الموت عن بُعد، لم يعد القاتل بحاجة لرؤية عين ضحيته، بل يكفيه شاشة براقة وزرٌّ أنيق يضغطه وهو يحتسي قهوته الصباحية في غرفة مكيفة. لقد تحولت الدماء إلى بيانات رقمية، والمدن المدمرة إلى “نقاط حمراء” على الخريطة. المضحك في الأمر أن المطورين يطلقون على هذه الأسلحة وصف “الذكية”، وكأنهم يحاولون إقناعنا بأن القنبلة تمتلك من الرقيّ ما يجعلها تعتذر للضحايا قبل الانفجار، أو أنها تختار من تقتله بناءً على “سيرته الذاتية” ومدى توافقه مع قيم الحداثة.
إننا نعيش في عصر يُطالب فيه القتيل بأن يموت بصمت لكي لا يزعج راحة “المجتمع الدولي”، ويُطلب من المشرد أن يشكر الله لأن العالم ما زال يخصص له بضع دقائق في نشرات الأخبار بين فقرة الطقس ونتائج مباريات كرة القدم. إنها “سيمفونية العبث” التي تُعزف ألحانها على أوتار أعصابنا، بينما يقف المايسترو بوقاره المصطنع ليحيي الجمهور الذي يشاهد نهايته وهو يصفق بحرارة وسط الجنائز، معتقداً أن ما يراه هو مجرد “خدع سينمائية” متقنة، وليست حقيقة واقعه المرير.
وسط هذا الطوفان من اللا معقول، وفي قلب ذلك الإعصار الذي يقتلع جذور الاستقرار في المنطقة والعالم ، تبرز الدولة المصرية كجزيرة من الرصانة والتماسك ؛ فبِعقل القائد الحكيم، استطاع السيد الرئيس عبد الفتاح السيسي أن يقرأ مابين سطور تلك الفوضى العالمية ، ممسكاً بزمام المبادرة ليضع مصر في “منطقة آمنة ” بعيداً عن مقامرات الساسة وارتجال المغامرين . لقد أدركت القيادة المصرية أن حماية الوطن في عصر “سوق النخاسة الأخلاقية” لا تكون بالشعارات، بل ببناء حصونٍ من الوعي والقوة التي جعلت من مصر حائط صدٍ عصياً على الانكسار، وحولت دفة السفينة من الأمواج المتلاطمة إلى بر الأمان ، ضامنةً لشعبها حق الحياة في زمنٍ صار فيه هذا الحق مجرد وجهة نظر .
إن الناظر إلى أحوال الكوكب اليوم يدرك أن الحقيقة أصبحت وجهة نظر، وأن العقل بات ضيفاً ثقيلاً غير مرغوب فيه . ومع ذلك، لا يسعنا إلا أن نبتسم؛ ليس لأن الأمور بخير، بل لأن البديل هو البكاء، والبكاء كما تعلمون يستهلك أملاحاً معدنية ثمينة، ونحن في عصر لا يسمح بهدر أي مادة خام ، يبدو أننا نعيش في أجمل العصور شريطة أن تقرأ الأخبار بالمقلوب، وتغلق التلفاز، وتفترض أن ما تراه في الواقع هو مجرد ‘كاميرا خفية’ طال أمدها قليلًا.”



