
رامى البكرى يكتب “لسنا جاهلين نحن مشغولون عن الفهم”
لم يعد الإنسان اليوم يخاف من الجهل، بل من الزحام؛ زحام الأخبار، وزحام الآراء، وزحام التحليلات التي تُقال بثقة أكبر من حقيقتها. نستيقظ كل صباح فنفتح هواتفنا كما لو أننا نفتح نافذة على العالم، لكن السؤال: هل نرى العالم فعلًا أم نرى فقط ما يمر أمام أعيننا بسرعة لا تسمح لنا أن نفهم؟ خبر يطرد خبرًا، وأزمة تزيح أزمة، ووجوه تتحدث بثقة عن كل شيء، حتى أصبح الإنسان يشعر أنه متأخر إن لم يكن له رأي في كل قضية.
وهنا بدأت المشكلة؛ لم نعد نعاني من نقص المعلومات، بل من فيضانها. صرنا نعرف الأسعار ولا نفهم الاقتصاد، نتابع الأحداث ولا نعرف سياقها، نحفظ العناوين وننسى الأسئلة، وأصبح أخطر ما يمكن أن يحدث للإنسان أنه يظن أنه فهم فقط لأنه شاهد دقيقة واحدة، أو قرأ منشورًا، أو غضب للحظات. لكن الفهم لا يأتي بهذه السرعة، بل يحتاج إلى توقف وتأمل وسؤال: لماذا؟ ومن المستفيد؟ وما الذي لا يُقال؟ فالرأي ليس رد فعل، والوعي ليس كثرة كلام، والمتابعة ليست فهمًا. المشكلة ليست أن العالم يتغير، فالعالم لم يتوقف يومًا عن التغيّر، لكن المشكلة أن بعضنا أصبح يمر فوق الأحداث كما تمر الأصابع فوق شاشة الهاتف؛ بسرعة دون أثر.
ولهذا ليس مطلوبًا أن تعرف كل شيء، لكن المطلوب أن تفهم شيئًا واحدًا بصدق، فالأمم لا تُهزم حين يقل ما تعرفه، بل حين تظن أنها تعرف كل شيء بينما لم تسأل السؤال الصحيح. وفي النهاية ربما لم تعد القضية: ماذا يحدث؟ بل متى فقدنا القدرة على الفهم ونحن نظن أننا أكثر الناس إدراكًا.


