مقال

مونديال بلا روح.. لماذا افتقدت كأس العالم 2026 متعة الجماهير التي صنعتها قطر؟

بقلم / رضا البروفيسير

منذ انطلاق بطولة كأس العالم 2026 في الولايات المتحدة وكندا والمكسيك، وبينما تتجه أنظار العالم إلى المستطيل الأخضر، يسيطر شعور واضح لدى كثير من جماهير كرة القدم بأن البطولة فقدت جزءًا كبيرًا من روحها ومتعتها المعتادة، وأن النسخة الحالية، رغم ضخامتها، لم تنجح حتى الآن في صناعة الأجواء الاستثنائية التي عاشها العالم في مونديال قطر 2022.

ورغم الإمكانيات الهائلة التي تمتلكها الولايات المتحدة الأمريكية، إلا أن التنظيم بدا في العديد من التفاصيل أقل تماسكًا، وأكثر تعقيدًا للجماهير، مقارنة بما قدمته قطر قبل أربعة أعوام، في نسخة لا تزال حاضرة في ذاكرة عشاق كرة القدم باعتبارها واحدة من أفضل النسخ تنظيميًا وجماهيريًا في تاريخ البطولة.

أبرز ما ميّز مونديال قطر كان “قرب المسافات”، وهي ميزة صنعت حالة استثنائية من المتعة الكروية، حيث تمكن المشجعون من حضور أكثر من مباراة في اليوم نفسه بسهولة، مستفيدين من شبكة النقل الحديثة وتقارب الملاعب، ما خلق أجواء احتفالية متواصلة داخل مدينة واحدة تقريبًا. أما في نسخة 2026، فإن اتساع المسافات بين المدن المستضيفة، وارتفاع تكاليف السفر والإقامة، حوّل تجربة المشجع إلى رحلة مرهقة ومكلفة للغاية.

ولم تتوقف الانتقادات عند صعوبة التنقل فقط، بل امتدت إلى أسعار التذاكر والإقامة، التي وصفها كثير من الجماهير بأنها “مبالغ فيها”، إلى جانب حالة الفوضى التنظيمية التي ظهرت في بعض المباريات، سواء فيما يتعلق بالدخول أو الخدمات أو حتى المقاعد الشاغرة رغم ارتفاع الأسعار.

كما واجهت البطولة انتقادات مرتبطة بالأجواء المناخية القاسية، خاصة في المدن الأمريكية التي تشهد درجات حرارة مرتفعة، وسط مخاوف تتعلق بسلامة الجماهير والعاملين في البطولة. تقارير إعلامية عالمية تحدثت عن حالات إجهاد حراري وإجراءات طوارئ متكررة بسبب الطقس، وهو ما ألقى بظلاله على تجربة الجماهير داخل الملاعب ومناطق المشجعين.

وعلى مستوى الأجواء الجماهيرية، يرى كثير من المتابعين أن مونديال قطر نجح في خلق حالة إنسانية وثقافية فريدة، حيث عاش المشجعون من مختلف الجنسيات في مناطق متقاربة، واستخدموا وسائل النقل نفسها، والتقوا يوميًا في أماكن المشجعين والأسواق والشوارع، ما منح البطولة روحًا استثنائية وشعورًا دائمًا بأن “العالم كله في مكان واحد”. أما النسخة الحالية، فإن تشتت المدن واتساع الرقعة الجغرافية أفقد البطولة هذا الإحساس الجماعي الذي كان أحد أسرار نجاح قطر 2022.

ورغم الجدل الكبير الذي سبق مونديال قطر، والانتقادات المتعلقة بحقوق الإنسان أو ما أثير وقتها حول “الجماهير المصطنعة”، فإن الواقع أثبت أن البطولة قدمت تجربة تنظيمية متكاملة وملاعب مبهرة وأجواء جماهيرية لا تُنسى، حتى أن كثيرًا من الجماهير التي حضرت النسختين باتت تقارن باستمرار بين “دفء” تجربة قطر و”برودة” النسخة الحالية من حيث المشاعر والأجواء العامة.

وربما تكمن المفارقة الكبرى في أن الولايات المتحدة تمتلك بنية رياضية ضخمة وقدرات مالية هائلة، لكنها لم تتمكن حتى الآن من صناعة “روح المونديال” كما فعلت قطر. فنجاح كأس العالم لا يُقاس فقط بحجم الملاعب أو عدد المدن المستضيفة، بل بقدرة الدولة المنظمة على خلق تجربة إنسانية وجماهيرية متكاملة يشعر خلالها المشجع بأنه يعيش مهرجانًا عالميًا حقيقيًا.

قد تحمل الأيام المقبلة من البطولة مشاهد أكثر إثارة داخل الملعب، لكن حتى الآن، يبقى مونديال قطر 2022 حاضرًا بقوة في المقارنات، باعتباره النسخة التي أعادت تعريف تجربة المشجع، وقدمت بطولة امتزج فيها التنظيم بالدقة، والجماهير بالشغف، وكرة القدم بالمتعة الحقيقية.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى