مقال

التضليل العقاري تحت الأضواء وصاحب تحويشة العمر يدفع الفاتورة

بقلم ،

من الصعب أن يمر أي شخص على طريق المحور، في اتجاه 6 أكتوبر أو ميدان لبنان، دون أن تلفت انتباهه بعض الإعلانات العقارية الضخمة التي تتصدر المشهد بعبارات براقة وأرقام تبدو مغرية للوهلة الأولى؛ لكن خلف هذه الرسائل التسويقية يبرز سؤال مهم: هل يحصل المواطن بالفعل على المعلومات الكافية لاتخاذ قرار شراء قد يكون من أهم القرارات المالية في حياته؟

عندما يقرأ المواطن إعلانًا يقول: بيتك في الساحل بـ10 آلاف جنيه، فمن الطبيعي أن يتساءل: هل هذا هو سعر الوحدة؟ أم مقدم الحجز؟ أم قيمة قسط شهري؟ أم مجرد جزء من خطة سداد طويلة؟ المشكلة لا تكمن في الترويج للمشروعات، بل في غياب التوضيح الفوري والكامل لطبيعة هذه الأرقام، وهو ما قد يخلق انطباعات غير دقيقة لدى المتلقي ويؤدي إلى توقعات تختلف كثيرًا عن الواقع عند الاطلاع على التفاصيل الفعلية.

وخلال السنوات الأخيرة، شهد السوق العقاري المصري نمو وتوسع كبير، مدفوعا بحجم غير مسبوق من التنمية العمرانية والمشروعات الجديدة، إلا أن هذا النمو صاحبه في بعض الأحيان أساليب دعائية تعتمد على أرقام وعروض لا تعكس التكلفة الحقيقية للوحدات المطروحة، وهو ما يدفع العديد من المواطنين للتواصل مع الشركات بدافع معلومات ناقصة أو غير مكتملة.

لذلك أصبحت الحاجة ملحة إلى وضع ضوابط أكثر وضوحا للإعلانات العقارية، بحيث تلتزم الشركات بإظهار البيانات الأساسية بصورة مباشرة، تشمل قيمة مقدم الحجز، والسعر الإجمالي للوحدة، ومدد السداد، وقيمة الأقساط، وأي التزامات مالية أخرى، بدلاً من الاكتفاء بعبارات تسويقية عامة أو أرقام قد تفهم بأكثر من معنى.

الرقابة على الإعلانات الخارجية والرقمية باتت ضرورة حقيقية لحماية المستهلك وتعزيز الشفافية داخل السوق، خاصة أن شراء العقار لا يُعد قرارا استهلاكيا عابرا، بل استثمار طويل الأجل يرتبط غالبا بمدخرات سنوات من العمل والادخار.

ولا تتوقف المسؤولية عند حدود شركات التطوير أو التسويق العقاري، بل تمتد أيضا إلى الشخصيات العامة والمشاهير الذين يشاركون في الحملات الترويجية للمشروعات المختلفة، فظهور فنان أو إعلامي أو مطرب معروف في إعلان عقاري يمنح المشروع درجة إضافية من الثقة لدى الجمهور، وقد يدفع بعض المواطنين إلى اتخاذ قرارات مالية مهمة استنادًا إلى هذه المصداقية المتصورة.

ومن ثم، فإن المسؤولية المجتمعية تقتضي أن يتحرى كل من يشارك في الترويج لمشروع أو شركة دقة المعلومات المقدمة وسلامة الموقف القانوني للمشروع قبل وضع اسمه أو صورته في أي حملة إعلانية، فكما تتحمل الشركة مسؤولية ما تعلنه، يجب أن يتحمل المروجون أيضا نصيبهم من المسؤولية تجاه الجمهور الذي يثق فيهم.

تبقى الشفافية الكاملة في الإعلان العقاري حقًا أصيلًا للمستهلك وليست مجرد ميزة إضافية، كما أنها تمثل أحد أهم أسس بناء سوق عقاري قوي ومستدام، يحافظ على ثقة العملاء ويضمن المنافسة العادلة بين الشركات.

حماية المواطن من أي ممارسات تسويقية مضللة لم تعد خيارًا، بل ضرورة للحفاظ على مصداقية القطاع العقاري ومستقبل نموه

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى