مقال

الجميلي أحمد يكتب: ليس دفاعا عن وزيرة الثقافة

في اللحظات التي تحاول فيها الثقافة المصرية أن تعيد ترتيب علاقتها بالدولة وبالمثقف وبالناشر يصبح من الطبيعي أن تثار الأسئلة وأن تظهر المخاوف وأن تختلف وجهات النظر حول بعض القرارات لكن غير الطبيعي أن يتحول كل قرار إداري أو محاولة للتطوير إلى ساحة اشتباك مفتوحة وكأننا اعتدنا أن نستقبل أي مشروع جديد بالشك قبل أن نمنحه فرصته الكاملة للحكم عليهومن يتابع خطوات الدكتورة جيهان زكي منذ توليها المسؤولية يدرك أن هناك محاولة حقيقية لإعادة الاعتبار لفكرة الثقافة بوصفها قوة وعي وهوية لا مجرد نشاط موسمي أو حضور بروتوكولي وأن الوزيرة تتحرك برؤية أقرب إلى بناء مشروع ثقافي طويل النفس لا إلى إدارة يومية عابرة ولهذا فإن الاختلاف حول بعض القرارات يجب أن يبقى داخل مساحة الحوار المهني الهادئ لا أن يتحول إلى معركة بين الوزارة من جهة والمثقفين أو الناشرين من جهة أخرى لأن الثقافة المصرية في هذه اللحظة تحتاج إلى النقاش بقدر ما تحتاج إلى التوازن والحكمة وإعطاء الفرصة الكاملة لأي مشروع قبل إصدار الأحكام النهائية عليهليست هذه الكلمات دفاعا عن وزيرة الثقافة بقدر ما هي دفاع عن فكرة الدولة حين تريد أن تُحدّث أدواتها دون أن تصطدم بأصحاب الصناعة ودفاع عن الناشرين حين يرفعون صوت القلق على كتبهم وحقوق مؤلفيهم ودفاع أيضا عن وزارة لا يجوز أن تتحول كل محاولة منها للتطوير إلى معركة شخصية أو حملة هجوم لا تترك مساحة للعقلالأزمة التي أثيرت حول إجراءات إيداع الكتب وتسليم ملف الكتاب بصيغة وورد كشفت خللا أكبر من القرار نفسه خللا في طريقة الحوار بين المؤسسة الرسمية وصناعة النشر فالناشر ليس خصما لدار الكتب ودار الكتب ليست جهة عابرة في حياة الكتاب إنها الذاكرة الوطنية والمكتبة القومية الحافظة للإنتاج الفكري المصري لكن الناشر في الوقت نفسه صاحب حق مشروع حين يخاف من تسليم ملف قابل للتعديل والنسخ والتداول لأنه لا يتحدث عن ورق إداري بل عن ملكية فكرية وحقوق مؤلف وسمعة دار نشر وسنوات من الجهدبيان دار الكتب أكد أن إيداع نسخة رقمية ليس أمرا جديدا وأنه معمول به منذ سنوات وأن التعديل يستهدف الحوكمة والميكنة والتحول الرقمي والتيسير على الناشرين وهو منطق مفهوم في دولة تتحرك نحو الرقمنة لكن نقطة الخلاف لم تكن في أصل الإيداع الرقمي بل في صيغة الملف وفي توقيت التسليم وفي ضمانات الحماية فالفرق كبير بين ملف PDF نهائي مطابق للنسخة المطبوعة وبين ملف Word مفتوح قابل للتعديل والتصرفومن هنا فإن الدفاع الحقيقي عن وزيرة الثقافة ليس في إنكار غضب الناشرين ولا في تخوين مخاوفهم بل في القول إن القرار يحتاج إلى ضبط لا إلى صدام ويحتاج إلى مائدة عاجلة تضم الوزارة ودار الكتب واتحاد الناشرين وخبراء الملكية الفكرية والتحول الرقمي لصياغة آلية تحفظ حق الدولة في الإيداع والحفظ والأرشفة وتحفظ حق الناشر في عدم تسليم أصل قابل للتعديل المخرج بسيط وواضح أن يتم الاكتفاء بملف PDF نهائي مؤمن ومطابق للنسخة المطبوعة كما كان واردا في الأوراق المنشورة سابقا لخدمات الإيداع وأن يكون رفعه من خلال منصة إلكترونية رسمية مشفرة تمنح الناشر إيصالا رقميا وتاريخا واضحا وبصمة رقمية للملف مع تعهد قانوني من دار الكتب بعدم الإتاحة أو النسخ أو التداول إلا في حدود الحفظ القانوني والبحث المؤسسي المحكوم بضوابط صارمةكما يمكن للوزارة أن تعلن تجميد تطبيق بند ملف الوورد مؤقتا لا بوصفه تراجعا أمام حملة ولكن بوصفه استجابة مؤسسية رشيدة لملاحظات أهل الصناعة وهذا في الحقيقة سيحسب للوزيرة لا عليها لأن المسؤول القوي ليس من يصر على القرار مهما كانت آثاره بل من يسمع ويعدل ويحمي الهدف العام من سوء التطبيق ليست القضية إذن معركة بين الوزيرة والناشرين وليست فرصة لتصفية حسابات مع وزارة الثقافة القضية أن صناعة النشر في مصر تحتاج إلى ثقة متبادلة وإلى قرارات تولد من التشاور لا من المفاجأة واتحاد الناشرين حين يطالب بالحوار فهو يمارس دوره الطبيعي ودار الكتب حين تطلب تطوير منظومة الإيداع فهي تمارس دورها الطبيعي أيضا أما الدور الأهم للوزيرة فهو أن تجمع الطرفين على حل لا يكسر هيبة الدولة ولا يكسر ظهر الناشرولذلك أقولها بوضوح هذا ليس دفاعا عن وزيرة الثقافة بقدر ما هو دفاع عن طريق عاقل للخروج من الأزمة طريق يعترف بأن التحول الرقمي ضرورة وأن حماية الملكية الفكرية ضرورة وأن الناشرين شركاء لا متضررون وأن دار الكتب ذاكرة وطنية لا مخزن ملفات مفتوحةالمطلوب الآن قرار مكمل يزيل الغموض ويغلق باب القلق ويؤكد أن الدولة لا تطلب من الناشر ما قد يعرّض كتابه للخطر وأن الوزارة لا تقف في مواجهة صناعة النشر بل تقف معها ومن أجلهاوفي النهاية لا أعتقد أن الأزمة يجب أن تُقرأ باعتبارها صداما بين وزارة الثقافة والناشرين أو بين الدولة والمثقفين بقدر ما يجب أن تُفهم باعتبارها لحظة تحتاج إلى قدر أكبر من الحوار والإنصات المتبادل فالثقافة المصرية لا يمكن أن تنهض إلا بالشراكة الحقيقية بين مؤسساتها الرسمية وصناع الكتاب وأصحاب الخبرة داخل الوسط الثقافي وأنا أثق في أن الدكتورة جيهان زكي تسعى بالفعل إلى خلق حالة من الحوار الثقافي الحقيقي ولمست ذلك بوضوح من متابعتي لتحركاتها منذ توليها مسؤولية الوزارة فهي لا تبدو وزيرة تبحث عن إدارة المشهد من خلف المكاتب بقدر ما تبدو مؤمنة بفكرة الاستماع ومحاولة بناء مشروع ثقافي يستوعب الجميع وربما لهذا السبب تحديدا أرى أن هذه الأزمة قابلة للحل بسهولة إذا جلس الجميع إلى مائدة واحدة بروح الشراكة لا بروح الخصومةفالناشر ليس خصما للدولة والدولة ليست خصما للكتاب وما بين حماية الذاكرة الوطنية وحماية حقوق الملكية الفكرية توجد دائما مساحة عاقلة يمكن الوصول إليها بالحوار والثقة والنية الصادقة في أن تظل الثقافة

السيد مفرح الجمل

صحفى ومدير مكتب الجريدة بالغربية

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى