
السيد الجمل يكتب “بيوتٌ مظلمة وجيوبٌ خاوية.. “العداد الكودي” يلتهم قوت الغلابة وشبح “الشريحة الموحدة” يطارد احلام المواطنين
في الوقت الذي تبحث فيه الأسر البسيطة عن طوق نجاة وسط أمواج الغلاء المتلاطمة، تحولت “عدادات الكهرباء الكودية” من أداة لتنظيم الاستهلاك إلى “عدادات للمقابر الرقمية” تلتهم الأخضر واليابس في جيوب المواطنين.
لم تعد الأزمة مجرد أرقام تُدفع، بل تحولت إلى مأساة إنسانية حقيقية تعيشها آلاف الأسر التي وجدت نفسها مجبرة على الاختيار بين لقمة العيش.. أو البقاء في الظلام.لم تعد الحكاية مجرد أرقام تُشحن أو شرائح تتغير، بل تحولت إلى صبغة حمراء من الألم، تخلع القلوب وتجسد أبشع صور العجز الإنساني. في تلك الليلة الملعونة، لم يكن العداد الكودي يلتهم الكيلووات فحسب، بل كان يمتص، بدم بارد، الأنفاس الأخيرة في جسد متهالك.
ففى ليلة تفتيت العظام دوت صرخة في جوف الليلفي تمام الثالثة فجراً، كان السكون يلف الحارة الضيقة، إلا من صوت أنين خافت ينبعث من شقة عم إبراهيم. زوجته ورفيقة دربه، “ام صابر”، ترقد على فراش الموت البطيء، تتنفس بصعوبة عبر جهاز مكثف الأوكسجين الذي بات رأتها البديلة.فجأة.. قطع هذا الأنين ذلك “الصفير” المتقطع اللعين. إنه العداد الكودي، يعلن بنبضاته الضوئية الحمراء المرعبة عن نفاد الرصيد.يروي عم إبراهيم والارتعاش يشل جسده بالكامل:”نظرتُ إلى الجهاز.. رأيت مؤشر الأوكسجين ينخفض، ورأيت وجه زوجتي يتحول إلى الزرقة. تذكرت أنني شحنت العداد قبل يومين بآخر مائة جنيه في جيبي! كيف نفد؟ كيف انهار الرصيد بهذه السرعة؟ لم يكن هناك وقت للأسئلة.. كانت أم صابر تختنق أمامي”.سباق الموت في شوارع ميتةهرع الرجل الستيني إلى الشارع بملابس منزلية ممزقة تحت المطر، حافي القدمين، يمسك بكارت الشحن كأنه يمسك بقلبه.
راح يطرق أبواب المحلات المغلقة، ويتوسل للمارة في الشارع الخالي: “أبوس أيديكم.. حد يشحن كارت الكهرباء.. زوجتي تموت !”بعد نصف ساعة من الركض المرير والتوسل الذي يكسر النفس، استجاب له صاحب كشك صغير، وفتح ماكينة الشحن. أخرج عم إبراهيم خمسين جنيهاً كان قد استدانها من جاره قبل ساعات: “اشحن لي بهذه بكل سرعة أرجوك”.هنا.. نزلت الصدمة التي قطعت رجاءه:شاشة الماكينة ترفض: “عذراً.. توجد مديونية سابقة بـ 60 جنيهاً (فرق الشريحة الموحدة ورسوم خدمة)”.
والنتيجة القاتلة الخمسون جنيهاً لن تعيد التيار، بل ستذهب بالكامل لسداد “المديونية” الخفية للعداد، وسيظل الرصيد صفراً!والكارثة الاكبر عندما يعود النور لبيتٍ مات صاحبه حسرة وألم “بكيتُ وجلست على ركبتي في وسط الشارع.. صرختُ بكل ما أوتيت من قوة: خذوا الفلوس..خذوا كل شيء وأعطوني دقيقة كهرباء واحدة.. دقيقة واحدة لتعيش زوجتي!”عاد عم إبراهيم إلى بيته يجر أذيال الخيبة والقهر الذي لا تطيقه الجبال. دخل الشقة المظلمة مستعيناً بكشاف هاتفه المحمول المتهالك الذي كاد يفرغ هو الآخر. اتجه صوب الفراش.. كان الفضاء صامتاً تماماً.لم يعد هناك صوت أنين، ولا صوت أنفاس متقطعة.
لقد توقف جهاز الأوكسجين، وتوقف معه قلب “أم الصابر ” إلى الأبد. ماتت خنقاً في الظلام، ليس لنقص في الطب، بل لأن العداد الكودي قرر بنظامه الصارم والظالم أن يقطع عنها الهواء لأنها “مخالفة” للشريحة!صرخة آلم: إلى متى تظل المبادئ الرقمية أغلى من دم البشر؟أيّ جرمٍ ارتكبه هذا العجوز ليعاقب بوفاة زوجته بين يديه؟
إن “الشريحة الموحدة” التي فرضتها وزارة الكهرباء على العدادات الكودية لم تعد آلية اقتصادية، بل تحولت إلى سكين مسلط على رقاب الفقراء.إنها منظومة تنظر للمواطن البسيط من خلال شاشة حاسوب جافة، تخلو من أي معيار إنساني أو عدالة اجتماعية.
تلتهم أموال الشحن في خانات “الرسوم والدمغات وفروق الشرائح” وتترك البيوت عارية في مهب الريح.مأساة عم إبراهيم ليست مجرد قصة عابرة تُقرأ وتُنسى، إنها وصمة عار في جبين كل مسؤول ينام في التكييف والضوء الساطع، بينما يبتلع “غول العداد” أرواح البسطاء في عتمة الليل القاتل. دم الحاجة أم صابر يصرخ الآن: ارحموا من في الأرض.. كفى جباية على حساب الأنفاس!
“فالشريحة الموحدة” عدالة غائبة وتكمن الكارثة الحقيقية في الفلسفة التي تُدار بها العدادات الكودية مؤخراً، وتحديداً بعد تطبيق ما يُعرف بـ “الشريحة الموحدة” أو المحاسبة بأعلى سعر استهلاك من الكيلووات الأول.تعتبر هذه المنظومة أن كل من يملك عداداً كودياً (والذين يقطنون غالباً في مبانٍ عشوائية أو غير مرخصة بسبب ظروفهم المادية الصعبة) هو مستهلك “مخالف” يجب معاقبته ماليًا، دون النظر إلى حجم استهلاكه الفعلي.
وهنا يأتى غياب التدرج الاجتماعي حيث تم إلغاء نظام الشرائح المدعومة للمواطنين البسطاء في هذه العدادات، ليجد المواطن نفسه يُحاسب بسعر شريحة تجارية أو شريحة عليا منذ اللحظة الأولى التي يضيء فيها مصباح غرفته.وتأتى الخصومات التلقائية ويعاني المواطنون من خصومات غامضة تحت مسميات “فرق الشريحة”، “رسوم خدمة العملاء”، و”الأقساط المتراكمة”، مما يجعل قيمة الشحن الفعلي لا تتجاوز نصف المبلغ المدفوع في كثير من الأحيان.
وتقع هنا عقوبة مسبقة الدفع ، فبدلاً من أن يكون العداد الكودي حلاً لتقنين الأوضاع، تحول إلى أداة جباية تفرض عقاباً جماعياً على طبقة مطحونة لا تملك ترف البحث عن سكن بديل مرخص.وتوجه صرخة إلى المسؤولين: ارحموا عزيز قوم ذلّه العداد ، إن ما يحدث في ملف العدادات الكودية والشريحة الموحدة يتطلب وقفة حاسمة وإعادة نظر من قِبل وزارة الكهرباء والجهات المعنية.
فالعدالة الاجتماعية لا تعني فقط توفير الخدمة، بل القدرة على تحمل تكلفتها.لا يمكن مساواة المواطن البسيط الذي يقطن في غرفة وحيد بضواحي قرية نائية ، بمالك فيلا أو شقة فاخرة في منتجع سياحي. إن استمرار هذا النظام يهدد بإنهاء الطبقة المتوسطة تماماً، وتحويل الطبقة الفقيرة إلى العيش في عصور ما قبل الكهرباء.
إن دموع عم إبراهيم وهو ينظر إلى كارت الشحن الخالي، والى ألم زوجته التى فارقت الحياة بسبب صافرة النهاية فى عداد ظالم هي صرخة مكتومة من كل مواطن في وجه كل مسؤول غابت عنه تفاصيل حياة المواطن البسيط . أنقذوا الناس من “غول العدادات”، فقبل أن تنطفئ الشاشات الرقمية.. تكاد تنطفئ قلوب البشر من القهر .



