مقال
أخر الأخبار

السيد الجمل يكتب “وسط عتمة الأزمات يؤذن فجرجديد بأن الأمل آت “

إن ما يشهده العالم اليوم من ضيق في الرزق واضطراب في الأمن، يضعه المؤمن في إطار “الابتلاء” الذي يستنهض العزائم ولا يكسرها. فالدين يعلمنا أن دوام الحال من المحال، وأن مع العسر يسراً، ليس يسراً واحداً بل يسران كما وعد الخالق. إن استشعار معية الله في لحظات الضيق يحول القلق إلى طمأنينة، ويجعل من “الرضا” قوة دافعة للعمل والإنتاج بدل الاستسلام لليأس.

ففي ظل التسارع المحموم للأحداث العالمية، وما يرافقه من أخبار الحروب التي لا تهدأ، وأرقام التضخم التي تلتهم المدخرات، يبدو الحديث عن “الأمل” للبعض كأنه نوع من الترف الفكري أو الهروب من الواقع. لكن الحقيقة التي يخبرنا بها التاريخ هي أن الأمل ليس “رفاهية”، بل هو الأداة الوحيدة التي مكنت البشرية من العبور فوق أنقاض الكوارث الكبرى.

الأمل اليوم ليس شعوراً ينتظر هطوله كالمطر، بل هو “صناعة” تتطلب تكاتفاً. هو يبدأ من الكلمة الطيبة في الشارع، ومن مبادرات التكافل التي تسد رمق المحتاجين، ومن الإعلام الذي يبرز قصص النجاح وسط الركام بدلاً من الاكتفاء بنقل أرقام الضحايا والأسهم الهابطة.

وفي ظل ارتفاع الأسعار الذي يقلق المضاجع، يأتي اليقين بأن “الرزاق” قد ضمن للأحياء أرزاقهم، وهو ما يحرر الإنسان من عبودية الخوف من المستقبل. هذا التوكل لا يعني التواكل، بل هو وقود للسعي الجاد بقلب مطمئن، وإيمان بأن البركة في القليل مع الرضا، أعظم من الوفرة مع السخط. إنها دعوة لاستعادة “زمن الطيبة” والتكافل، حيث يواسي الغني الفقير، ويشد المؤمن أزر أخيه، تطبيقاً لروح الجسد الواحد الذى إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى.

لو تأملنا قصص الأنبياء والصالحين، لوجدنا أن أعظم المنح ولدت من رحم المحن، فمن ضيق السجن خرج يوسف ليدير خزائن الأرض، ومن عتمة بطن الحوت جاء الفرج ليونس، ومن داخل النار خرج إبراهيم بالنور ، ومن الصبر على أشد الالم انقلبت حياة أيوب رغدا بعد المرض ، ومن هجرة الضيق انطلقت حضارة الإسلام .

هذه الدروس تخبرنا أن الله لا يغلق باباً بحكمته إلا ويفتح أبواباً برحمته، وأن الظلمة التي نراها اليوم قد تكون هي “الغسق” الذي يسبق شروق شمس العدل والرخاء.”إن الأمل بالله ليس مجرد أمنية، بل هو عبادة قلبية تجعل المؤمن يرى النور بعين قلبه حين تنطفئ مصابيح الأرض.”إن العالم اليوم، بما فيه من وجع وجشع، يحتاج إلى “مصابيح أرواح” تضيء دروب اليائسين.

فليكن دورنا هو بث الطمأنينة في النفوس، والتذكير بأن الذي أطعمنا من جوع وآمننا من خوف، لا يترك عباده لقمة سائغة للإحباط .فلنتمسك بحبل الله المتين، ولنجعل من تفاؤلنا عبادة، ومن عملنا جهاداً، ومن صبرنا جسراً نحو غدٍ أجمل، فالفجر آتٍ بوعد الله، والشمس لا تستأذن بشراً لكي تشرق من جديد.

نحن بحاجة إلى استعادة “زمن الطيبة” والإيمان بأن الصراعات، مهما طالت، فإنها إلى زوال، وأن الأرض التي ارتوت بالدموع والدم لا بد أن تنبت يوماً سنابل خير

لا يحتاج المرء اليوم إلى مجهود كبير ليرى سواداً يكسو عناوين الأخبار؛ فمن صراعات القوى الكبرى التي تزهق الأرواح، إلى “غول” الغلاء الذي بات يطارد القوت اليومي، يبدو العالم وكأنه يمشي في نفق مظلم. ولكن، وسط هذه العتمة، يبرز التفاؤل ليس فقط كحاجة إنسانية، بل كواجب إيماني عميق يذكرنا بأن مقاليد الأمور ليست بيد البشر وحدهم.

السيد مفرح الجمل

صحفى ومدير مكتب الجريدة بالغربية

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى