
90 دقيقة كورة.. تستاهل نخسر بعض عشانها؟
بقلم / جمال علي
زمان، كنت مشجع أهلاوي متعصب شوية.. أفرح بفوز الأهلي، وكنت أحيانًا أدخل على فيسبوك أغيظ مشجعي الزمالك، وأستمتع بالتعليقات والمناكفات بعد كل فوز للأهلي.
كنت شايف إن دي من متع الكورة، وإن كل واحد حر يعبّر عن فرحته بفريقه بالطريقة اللي تعجبه.
لكن في سنة 2018، قررت أغيّر الطريقة دي، وأبعد عن فكرة إن فرحتي بفريقي لازم يكون معاها ضيق أو زعل لغيري.
مش لأن حبي للأهلي قل، ولا لأن الحماس للتشجيع بقى أقل، لكن لأنني بدأت أبص للموضوع من زاوية مختلفة.
اكتشفت إن الشخص اللي بغيظه بسبب ماتش كورة ممكن يكون صاحبي، أو زميلي في الشغل، أو قريبي، أو إنسان بيني وبينه عشرة ومواقف كتير حلوة.
وساعتها سألت نفسي: هو أنا مستعد أخسر جزءًا من علاقتي بإنسان بحبه، لمجرد إن فريقه خسر مباراة وأنا فريقي كسب؟
الحقيقة إن السؤال ده خلاني أعيد حساباتي.
الكورة في الأصل لعبة، فيها فايز وفيها مهزوم، والفرحة بالخسارة أو المكسب جزء طبيعي من المنافسة. لكن المشكلة بتبدأ لما يتحول التشجيع من حب لفريق إلى كراهية لفريق تاني، ولما تبقى السخرية من الناس أهم عند البعض من الاستمتاع باللعبة نفسها.
كم صداقة اتعكرت، وكم علاقة اتوترت، وكم كلمة جرحت إنسانًا، وكل ده بسبب تسعين دقيقة في ملعب كرة قدم؟
والأغرب إن بعض الخلافات دي مش بتقف عند حدود الأصدقاء، لكنها ممكن تدخل البيوت، وتخلق حساسيات بين الإخوات والأقارب، وتسبب توترًا بين زملاء العمل، لمجرد إن كل واحد منهم بيشجع فريقًا مختلفًا.
والسؤال هنا: لو إحنا الكبار بنتعامل مع اختلاف التشجيع بالشكل ده، هنعلم الأجيال الجديدة إيه؟
هل هنعلم أولادنا إن المنافسة معناها إننا نقلل من غيرنا؟ وإن فرحتنا لازم تكون على حساب مشاعر الآخرين؟ وإن اللي بيشجع فريقًا منافسًا يبقى خصمًا لينا؟
لو ده اللي بيتعلموه، فالمشكلة مش هتبقى في الكورة وحدها، لكن في طريقة تعاملنا مع الاختلاف عمومًا.
أنا أهلاوي، وبحب الأهلي، وهفضل أفرح بانتصاراته وأزعل من هزيمته، وده حقي الطبيعي. لكن في نفس الوقت، مش محتاج أكره الزمالك عشان أحب الأهلي، ولا محتاج أجرح مشجع زملكاوي عشان أثبت له إن فريقي أفضل.
الأهلي والزمالك فريقان بيتنافسوا داخل الملعب، لكن مشجعيهما مش أعداء، ولا المفروض يكونوا كذلك.
والجميل في الرياضة إنها تقدر تجمعنا رغم اختلاف انتماءاتنا، وتخلق بيننا ذكريات ومواقف حلوة، لو عرفنا نحافظ على حدود المنافسة والاحترام.
مش مطلوب مننا نبطل نشجع، ولا نتنازل عن حماسنا، ولا نخبي فرحتنا لما فريقنا يكسب. المطلوب بس إننا نفرح من غير ما نكسر خاطر غيرنا، ونتنافس من غير ما نحوّل المنافسة إلى خصومة.
في النهاية، المباراة بتنتهي، واللاعبون بيغادروا الملعب، والجمهور بيرجع لبيته، لكن العلاقات الإنسانية هي اللي بتفضل، والناس اللي بنحبهم مش المفروض نخسرهم بسبب نتيجة مباراة.
شجّع فريقك بكل قلبك.. افرح بفوزه، وسانده وقت هزيمته، لكن افتكر دايمًا إن الكورة معمولة عشان تجمعنا، مش عشان تفرّقنا.
وساعتها بس هنعرف نجاوب عن السؤال:
90 دقيقة كورة.. تستاهل نخسر بعض عشانها؟



