
نزيف الاسفلت
بقلم / رضا عبدالرحمن البروفيسير
لم تعد أزمة الطرق في مصر هي الأزمة التي كانت عليها قبل سنوات. فقد شهدت الدولة خلال السنوات الماضية طفرة كبيرة في إنشاء الطرق والكباري والمحاور وتوسعة الشبكات القائمة، وأصبحت خريطة الحركة أكثر اتساعًا، واختفت كثير من الاختناقات التي كانت تؤرق المواطنين.
لكن حادث الإسماعيلية الأخير أعاد طرح سؤال أكثر إلحاحًا: هل نجحنا في تطوير سلوك مستخدمي الطرق بنفس القدر الذي نجحنا فيه في تطوير الطرق نفسها؟
الحقيقة أن تطوير البنية التحتية خطوة أساسية، لكنها ليست وحدها كافية لوقف نزيف الأسفلت. فالطريق مهما كان حديثًا، ومهما كان واسعًا ومجهزًا، يظل معرضًا للخطر إذا غابت قواعد القيادة، وتحولت السرعة إلى سباق، وأصبح التجاوز الخاطئ أو القيادة المتهورة سلوكًا عاديًا.
لقد أنشأنا طرقًا جديدة، وأضفنا محاور، ووسعنا شرايين الحركة بين المحافظات والمدن، وأنفقنا استثمارات ضخمة لتحسين منظومة النقل. والآن نحتاج إلى استكمال هذه المنظومة من خلال ردع مروري حقيقي وفعال يجعل الالتزام بالقانون أمرًا لا يمكن التهاون فيه.
المشكلة ليست في وجود القانون، وإنما في مدى شعور المخالف بأن القانون يراقبه وسيحاسبه.
السائق الذي يعلم أن السرعة الزائدة سيتم رصدها، وأن القيادة المتهورة لن تمر دون حساب، وأن تحميل السيارة بأعداد تتجاوز المسموح به سيعرضه للمساءلة، وأن مخالفة قواعد التجاوز والحارات ستسجل إلكترونيًا، سيكون أكثر حرصًا على حياته وحياة الآخرين.
وهنا يأتي دور التكنولوجيا.
لماذا لا نعتمد بصورة أكبر على الكاميرات الذكية والرصد الإلكتروني للسرعات والمخالفات؟ ولماذا لا نستفيد من البيانات المتاحة لدينا لتحديد الطرق والنقاط الأكثر خطورة، ثم التعامل معها قبل وقوع كارثة جديدة؟
نحن لا نحتاج فقط إلى معرفة أين وقع الحادث، وإنما نحتاج إلى معرفة لماذا وقع الحادث.
هل السبب السرعة؟ هل هناك خلل في سلوك السائق؟ هل توجد مشكلة في تصميم الطريق؟ هل الإضاءة غير كافية؟ هل العلامات الإرشادية واضحة؟ هل هناك نقطة تحتاج إلى إعادة تنظيم؟ وهل تكررت حوادث مشابهة في المكان نفسه؟
هذه الأسئلة يجب أن تكون جزءًا من منظومة دائمة لتحليل الحوادث، وليس مجرد رد فعل مؤقت عقب وقوع الكارثة.
كما أن الردع لا يعني العقوبة فقط. الردع يبدأ من التوعية، ومن إعادة بناء ثقافة القيادة لدى الأجيال الجديدة.
نحتاج إلى أن يفهم قائد السيارة أن رخصة القيادة ليست مجرد ورقة تسمح له بقيادة مركبة، وإنما مسؤولية عن أرواح أشخاص قد لا يعرفهم. وأن الوصول إلى المكان قبل موعده بعشر دقائق لا يستحق أن يخاطر الإنسان بحياته وحياة الآخرين من أجله.
الأمر يصبح أكثر أهمية عندما نتحدث عن سيارات نقل العمال والمواطنين، لأن الراكب في كثير من الأحيان لا يملك قرار السرعة أو التجاوز أو طريقة القيادة، لكنه يدفع الثمن إذا أخطأ السائق.
ومن هنا، فإن مواجهة نزيف الطرق يجب أن تقوم على معادلة واضحة:
طرق حديثة + رقابة ذكية + قانون حاسم + سائق ملتزم = طرق أكثر أمانًا.
لقد قامت الدولة بدورها في تطوير شبكة الطرق، والآن نحن أمام مرحلة جديدة يجب أن يكون عنوانها رفع كفاءة منظومة السلامة المرورية.
نحتاج إلى رقابة أكثر حضورًا، ورصد إلكتروني أكثر انتشارًا، وتشديدًا على المخالفات الخطرة، ومراجعة دورية للنقاط السوداء، وتحليل مستمر لأسباب الحوادث، إلى جانب حملات توعية حقيقية لا تتوقف عند الإعلان التقليدي.
فلا معنى لطريق سريع وآمن من الناحية الهندسية إذا تحول إلى مسرح للسرعة الجنونية والقيادة العشوائية.
ولا معنى لمحور جديد إذا لم يشعر مستخدموه أن هناك قانونًا يحميهم ويحاسب من يعرض حياتهم للخطر.
حادث الإسماعيلية يجب ألا يكون مجرد خبر مؤلم نتابعه لأيام ثم ننساه. يجب أن يكون فرصة لإعادة النظر في منظومة المرور بأكملها.
لقد حدّثنا الطرق، وأضافت الدولة المحاور، ووسعت شبكة النقل، وحان الوقت لكي نحدث أيضًا منظومة الردع المروري.
لأن المعركة الحقيقية لم تعد فقط في إنشاء طريق جديد، وإنما في حماية من يسير على الطريق.
فالأسفلت يمكن إصلاحه، والسيارة يمكن استبدالها، والطريق يمكن تطويره مرة أخرى..
لكن حياة الإنسان لا يمكن تعويضها.
ولهذا، فإن وقف نزيف الأسفلت لن يتحقق بمزيد من الطرق فقط، وإنما بمزيد من الانضباط والردع والمسؤولية.
وهذه ليست رفاهية..
بل أصبحت ضرورة.



