
محمد ربيع يكتب : فارماكونكس 2026.. المعرض انتهى والسؤال الأصعب بدأ
محمد ربيع : نائب رئيس تحرير مجلة أكتوبر
هناك معارض تنتهي بانتهاء أيامها، ومعارض أخرى تترك خلفها أسئلة تستمر طويلًا. وفارماكونكس 2026، في تقديري، ينتمي إلى النوع الثاني. فمن شاهد المشهد داخل أروقة المعرض هذا العام، وحجم الشركات المشاركة، وتنوع المنتجات والخامات والمعدات، وحضور المصنعين والموردين والخبراء وصناع القرار، يدرك أننا أمام صناعة مصرية لم تعد تقبل أن تنظر إلى نفسها باعتبارها مجرد صناعة محلية تخدم سوقًا محليًا.
لكن في الوقت نفسه، فإن الاحتفال بالمشهد وحده لن يكون كافيًا.
لأن فارماكونكس 2026 لم يكن مجرد مناسبة للاحتفال بما حققته صناعة الدواء المصرية، وإنما كان فرصة حقيقية لطرح السؤال الأكثر أهمية: إلى أين نريد أن نذهب بهذه الصناعة؟ وهذا السؤال، في رأيي، أهم بكثير من سؤال: ماذا عرضت الشركات في المعرض؟
المشكلة ليست في أن مصر لديها مصانع دواء كثيرة، ولا في أن المنتج المحلي أصبح حاضرًا بقوة في السوق. المشكلة الحقيقية هي: هل نمتلك التكنولوجيا؟ هل نمتلك الخامة؟ هل نمتلك المعرفة؟ وهل نستطيع أن ننتقل من مجرد التصنيع إلى صناعة منتجات قادرة على المنافسة عالميًا؟
هنا يبدأ التحدي الحقيقي.
لسنوات طويلة تعاملنا مع توطين صناعة الدواء باعتباره يعني أن نصنع داخل مصر ما كنا نستورد جزءًا كبيرًا منه. وهذه خطوة مهمة بلا شك، لكنها ليست النهاية. التوطين الحقيقي يبدأ عندما يصبح لدينا بحث وتطوير، وخامات دوائية، وتكنولوجيا، وتصنيع متقدم، وقدرة على إنتاج أدوية أكثر تعقيدًا، ثم تصديرها إلى الأسواق العالمية. بمعنى آخر، لا يكفي أن يكون المنتج «مصنوعًا في مصر». السؤال الذي يجب أن يشغلنا هو: كم تبلغ القيمة المصرية الموجودة بداخله؟ وهنا تحديدًا أعتقد أن المرحلة المقبلة ستكون مختلفة. فالسوق العالمي لا ينتظر من مصر أن تزيد عدد منتجاتها فقط، وإنما ينتظر أن تقدم منتجات ذات جودة وتكنولوجيا وسعر تنافسي.
ومصر لديها بالفعل مقومات تسمح لها بذلك.
لدينا سوق ضخم، وخبرات بشرية، وقاعدة صناعية، وموقع جغرافي متميز، وقرب من الأسواق العربية والإفريقية، إلى جانب اهتمام واضح من الدولة بتطوير قطاع الدواء ودعم التوطين وجذب الاستثمارات. لكن المقومات وحدها لا تصنع النجاح. ما يصنع النجاح هو القدرة على تحويل هذه المقومات إلى صناعة أكثر عمقًا وأكثر استقلالًا وأكثر قدرة على التصدير. ومن هنا تأتي أهمية ملف الخامات الدوائية.
فلا يمكن أن نتحدث عن استقلال صناعي كامل بينما تظل بعض الحلقات الأساسية في سلسلة الإنتاج مرتبطة بالخارج نحن بحاجة إلى الانتقال تدريجيًا من صناعة تعتمد على استيراد جزء كبير من مدخلاتها إلى صناعة تمتلك أكبر قدر ممكن من سلسلة القيمة.
وهذا لا يعني أن نصنع كل شيء في مصر، فهذا غير منطقي اقتصاديًا، وإنما يعني أن نحدد بذكاء ما يجب توطينه، وما يمكن إنتاجه محليًا، وما يجب أن ندخل فيه بشراكات تكنولوجية واستثمارية طويلة المدى.
وهنا أيضًا تظهر أهمية فارماكونكس. المعرض ليس مجرد مكان تلتقي فيه الشركات. إنه في الحقيقة اختبار سنوي لقدرتنا على التواصل مع العالم. كل شركة أجنبية تأتي إلى مصر، وكل مصنع يبحث عن شريك، وكل مستثمر يناقش مشروعًا، وكل تكنولوجيا جديدة تعرض، تمثل فرصة.
لكن الفرصة لا تصبح إنجازًا إلا عندما تتحول إلى عقد، أو استثمار، أو خط إنتاج، أو نقل تكنولوجيا، أو سوق تصديري جديد. وهذا هو المقياس الذي يجب أن نحاسب به أنفسنا بعد انتهاء المعرض.
كم شراكة بدأت .. كم مشروعًا جديدًا خرج إلى النور؟ ..كم تكنولوجيا دخلت السوق المصرية؟ .. وكم شركة مصرية استطاعت أن تفتح لنفسها نافذة جديدة في الخارج؟
هذه الأسئلة أهم بكثير من عدد الأجنحة. ومن الملفات التي لفتت الانتباه كذلك قطاع المكملات الغذائية، الذي أصبح خلال السنوات الأخيرة لاعبًا مهمًا داخل منظومة الصناعات الصحية. وهذا القطاع تحديدًا لديه فرصة كبيرة للنمو، لكنه يحتاج إلى أن يتحول من مجرد سوق واسعة للمنتجات إلى صناعة حقيقية قائمة على الجودة والبحث العلمي والتصنيع المنضبط والتنافسية والتصدير. فالمكمل الغذائي المصري يمكن أن يكون منتجًا تصديريًا مهمًا، لكن بشرط أن نتعامل معه باعتباره صناعة لها قواعدها ومعاييرها، وليس مجرد نشاط تجاري سريع النمو. والأمر نفسه ينطبق على صناعة مستحضرات التجميل والمستلزمات الطبية وغيرها من الصناعات المرتبطة بالصحة. المستقبل لن يكون لصناعة منفردة، وإنما لمنظومة صحية وصناعية متكاملة.
وهنا أعتقد أن مصر أمام فرصة لا تتكرر كثيرًا.
لدينا اليوم رغبة حقيقية في التوسع، ومصانع جديدة، واستثمارات، وشركات تبحث عن فرص، وهيئات تنظيمية تعمل على تطوير القطاع، ومعارض دولية تفتح أبواب التواصل مع الأسواق الخارجية. لكن أخطر ما يمكن أن نفعله هو أن نكتفي بالشعور بالنجاح. فنجاح المعرض لا يعني بالضرورة نجاح الصناعة.
المعرض مجرد لحظة. أما الصناعة فهي ما يحدث طوال العام. ولهذا فإن فارماكونكس 2026 يجب ألا ينتهي بإغلاق آخر جناح. بل يجب أن يبدأ بعده العمل الحقيقي. يجب أن نخرج من المعرض بخريطة واضحة: ما الذي نريد توطينه؟ ما التكنولوجيا التي نحتاج إليها؟ ما الخامات التي يمكن تصنيعها محليًا؟ ما الأسواق التي نستهدفها؟ وما التشريعات التي تحتاج إلى تطوير؟ وأهم من ذلك كله: كيف نجعل المنتج المصري منافسًا، وليس فقط متاحًا؟
في النهاية، أعتقد أن فارماكونكس 2026 نجح في تقديم صورة مهمة عن حجم الحركة التي تشهدها صناعة الدواء والصحة في مصر. لكن الصورة الأكثر أهمية لم تُعرض على أي شاشة داخل المعرض. إنها الصورة التي ستظهر خلال السنوات المقبلة. فإما أن تتحول اللقاءات إلى استثمارات، والاستثمارات إلى مصانع، والمصانع إلى تكنولوجيا، والتكنولوجيا إلى منتجات، والمنتجات إلى صادرات. وإما أن يظل فارماكونكس مجرد موعد سنوي جميل نلتقي فيه ثم نعود إلى ما كنا عليه.
والفارق بين السيناريوهين لا يصنعه المعرض. يصنعه ما سنفعله بعد المعرض.
وهنا تحديدًا يبدأ مستقبل صناعة الدواء المصرية.



