
د.أحمد عبد التواب القاضي يكتب “تَعَلُّم العربيّة ليس حِكْرًا على تخصصات بِعَينِهَا”
اللغةُ العربيّة كما لا يَخْفَى على الجميع هي لغةٌ لها مكانة كبيرة خاصةً عند العرب والمُسلمين, كونها لغة القرآن ولغة أهل الجنة, ولغة الإسلام, وهي اللغة التي تحدث بها حبيب الرحمن سيّد الأنام عليه أفضل الصلاة والسلام… وليست كما يظنّ البعض هي وعاء الأدب والشعر فقط, وكأن اللغة العربية هي لغة المَغنى, وهذا ظلمٌ واضح لأشرف اللغات, وهي لغة الفِكر والعِلْم والهُويّة, بها نَفهم ونُفهم وبها نفكر أيضا, وكذلك بها نُعَبّر ونكتب. غيرَ أننا نَشهد اليوم مفارقة تستوجب الوقوف؛ وهي أنّ مُتخصصين بارعون في مجالاتهم تزّل أقلامهم في أبسط قواعد الكتابة, أو حتى بعض الطلاب الجامعيين وخاصة طلاب الكليات العلميّة الذين يُعتبرون في قمة العمليّة التعليمية لا يُجيدون الكتابة بشكل دقيق, وكأنّ اللغة شأنٌ يخص كليات بعينها كالآداب ودار العلوم والتربية. فهل اللغة السليمة أصبحت حكرًا على تخصصات محددة, أم مهارة لازمة لكل متعلم يكتب ويقرأ؟!
وللأسف نتيجة هذا التصور نَجِدُ في واقعنا الملموس طبيبًا بارعًا في تشخيص مرضاه, أو مهندسًا مُتْقِنًا لقواعد البناء, ونراهم يتعثرا في القراءة السليمة, أو يُخْطِئا في كتابة التقارير. وهذا لا يَنْتَقِصُ مِن كفاءتهم المهنيّة, لكنه يَكشف عن فجوةٍ حقيقيّة مفادُها أنّ العربيّة تخصصٌ محدد لطلاب مُعيّنين, لا على أنّها مهارةٌ أساسية للتعبير والتفكير. فاللغةُ هي أداةُ التفكير؛ فكل علمٍ يحتاجُ إلى التعبير عن مفاهيمهِ بدقة ووضوح. والضعف يؤدي إلى الركاكة في صياغة الأفكار, وضعف في نقل المعرفة.
ولعلّ الدعوة إلى تعريب الطب في جامعة دمشق بسوريا خيرُ مثال على ذلك, إذ تخرّجَ منها أطباء على مستوى عالٍ من الكفاءة, كما نجحت التجربة في دول مثل: اليابان, وكوريا, والصين, فهذه الدول أثبتت أنّ النهضة العلميّة ترتبط ارتباطًا وثيقًا باللغة الوطنيّة… وليس في كلامي دعوة إلى الانغلاق على اللغة الأم فقط فحتى المترجمين المحترفين شرطًا أساسيّا أنْ يكون مُتقنًا للغته الأم؛ لأنّه لا يُترجم وينقل كلمات فحسب, بل ينقل ثقافة ومفاهيم. فإلمامه باللغة يجعله يعرف متى يُعبر بالفعل “قعد” ومتى يُعبر بالفعل “جلس” ومتى يختار ” الحزن” أو ” الأسى” للتعبير عن الحالة الدقيقة في النص الأصلي, ولا يَستقيمُ ذلك غير بإتقانه للغة الأم.ومَن قال أنّ إتقان العربيّة يُعيقُ إتقان سائر العلوم الأخرى, فالخوارزمي وابن الهيثم, وابن سينا وغيرهم كانوا متمكنين مِن ناصية العربية, وعلى الرغم من ذلك كانوا علماءً بارزين في الرياضيات والفلك والطب.
والحلّ ليس عسيرًا؛ فيُمكن للجامعات أنْ تجعلَ مقررًا في مهارات القراءة والكتابة مُتطلبًا لكافة التخصصات, ولا يُستثنى من ذلك تخصص؛ فدراستهم لمهارات القراءة والكتابة ليست بالمَهمة الصعبة أو العبء الدراسي, ولكن من الضَيْرِ أنّ يتخرجَ طالبٌ يَلحن في القراءة والكتابة. فالعنايةُ باللغة العربيّة مسؤولية مشتركة تقع على عاتق الجميع لا أقسام بعينها, فحين يُدرك الطبيب والمهندس والصيدلي وكافة التخصصات العلميّة أنّ لغتهم العربيّة هي جزء من هويتهم العلميّة والمهنيّة؛ نكون قد خطونا أول خطوة نحو جيل يجمع بين العلم والبيان.


